ابلغ المواعظ    8

 

عن امير المؤمنين ع قال:
 

[ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا ]
من طبيعة الناس ان يتاثروا بالمظاهر الدنيوية البراقة من الحلي والمجوهرات والسيارات الحديثة والمنازل الكبيرة والاثاث الفخم والملابس الفاخرة وبقية زينة الدنيا وعنوانينها الفردية او الاجتماعية، الّا ان اولياء الله الذين افاض الله عليهم من نور هدايته والطاف فضله لم يشغلهم ما يشغل الاخرين من الاماني والمطامح الدنيوية، لانهم ادركوا حقيقة الدنيا وسرعة زوال ما فيها، فكل شيء يتبدل فيها مع مرور الزمان، من المعالم والمظاهر والوسائل والغايات والمعايير والمقاييس، والازياء والعادات، والموازين والاسس، حتى ينتهي بالاندثار والموت، وكأن حضارة الامس قد زالت بزوال الاباء وحلت محلها حضارة الابناء وما فيها من التطورات الحياتية الجديدة التي تختلف في مظهرها عن النموذج الماضي الذي عاشه الاباء والاجداد، والذين لو كتبت لهم الحياة مجددا لاستوحشوا من التطورات الحديثة التي لا يستطيعون فهمها او التعايش معها، ولآثروا الرجوع الى عالم الاموات، فلا يبقى في هذه الحياة الا حقيقة واحدة ومعنى واحد وهو حقيقة الامتحان الالهي للعباد في الدنيا ولينالوا بموجبه جزائهم في الاخرة.
 

[ وَاشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا، ]
فكان من نتيجة هذا الادراك لحقيقة الدنيا والبصيرة في احوالها عند اولياء الله وعباده الصالحين انهم اعطوا الاولوية لما يبقى لهم بعد الموت، فأقدموا على الاعمال الصالحة التي تبقى لهم ذخرا في الدار الاخرة، واكثروا منها واهتموا بنوعيتها وشروط قبولها لتكون لهم نورا في قبورهم، ونورا عند حشرهم في يوم القيامة، ولينالوا بها جنات النعيم، بخلاف ما اضاع الاخرون اوقاتهم واعمارهم في امور الدنيا الفانية فذهبوا الى الله بغير زاد من الحسنات والصالحات عدا ما اكتسبوه من السيئات والمعاصي

 [يَوْمَ يَقُولُ الُمنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ، قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ (اي الى الحياة الدنيا) فَالْتَمِسُوا نُورًا، فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ، بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ]
 

[فَأَمَاتُوا مِنْهَا(اي من الدنيا)مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ (اي يميت قلوبهم )]
اي ان اولياء الله سعوا في تعليم تهذيب انفسهم من عدم التعلق في الدنيا والزهد في ملذاتها ودرجاتها لئلا تجمح بهم انفسهم الى التسابق مع من استهوتهم الدنيا فتضيع اوقاتهم واعمارهم وعواقب امورهم.
 

[ وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ ]
فتركوا من الدنيا ما سيتركهم في النهاية، فالمال والثروة، والجاه والسلطان، والاتباع والاعوان، والخدم والحشم، والابهة والزينة ستزول حتما بعد موتهم، بل ان كثيرا منها سيزول بالامراض والكبر او عند تقلبات الدنيا واحداثها.
 

[ وَرَأَوُا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اسْتِقْلَالًا (اي استقلالا لما سيحصلون عليه من الثواب في الاخرة)،ودَرَكَهُمْ لَهَا فَوْتاً]
اي ان اولياء الله تركوا الاكثار من تحصيل الدنيا وزينتها وزخرفها لان وجدوا ان ذلك الاكثار هو فوت وخسارة للثواب العظيم في الاخرة، فان عمر الانسان في الدنيا هو عمر محدود، وطاقة وقدراته فيها محدودة كذلك، فكل ما يصرفه الانسان من عمره لتعمير الدنيا هو خسارة له في ميزان الاخرة، اذ كان بامكانه ان يستغل هذا الوقت والجهد في زيادة رصيده الاخروي بدلا من زيادة رصيده الدنيوي الذي سيتركه بعد الموت لغيره، وهو ميزان دقيق لمحاسبة الانسان لنفسه لمعرفة ما سيقدم به على الله من الحسنات او السيئات.
 

[ أَعدَاءُ مَا سَالَمَ النَّاسُ وَسَلْمُ مَا عَادَى النَّاسُ ]
( فهؤلاء المؤمنين والمخلصين لله الذين منّ الله عليهم بالحكمة والبصيرة قد اختلفوا عن عموم الناس في اهدافهم ومقاصدهم ومشربهم ومسلكهم في الحياة وفي طبيعة اعمالهم وعلاقاتهم مع الاخرين وذلك لانهم قد قدموا الاخرة على الاولى في اهدافهم واعمالهم، فيراهم اهل الدنيا بعين الاضطراب والتعقيد وهم يرون اهل الدنيا بعين الاشفاق والاسف على غفلتهم وضياع اعمارهم .
 

[بِهِمْ عُلِمَ الكِتَابُ وَبِهِ عَلِمُوا]
فبسعي هؤلاء المخلصين لله وعلى رأسهم انبياء الله وحججه واوليائه ، قد تعلم الناس كتاب الله ودينه والالتزام باحكامه وحلاله وحرامه، كما ان الناس من خلال تعلمهم لكتاب الله واياته عرفوا منزلة هؤلاء الذين اختارهم الله حججا له وما خصهم بهم من كرامة ومنزلة في الدنيا والاخرة.
 

[ لَا يَرَوْنَ مَرْجُوّاً فَوْقَ مَا يَرْجُونَ، وَلَا مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ ]
فمن اهم ما يميز اولياء الله وحججه عن غيرهم من الناس في اعمالهم ومواقفهم هو حقيقة الاخلاص لله والخوف منه، حتى لا يرجون جزاء من غيره، ولا يخافون من احد سواه مهما بلغت قدرته وقوته، فاستحقوا ان يكونوا قدوة للناس ومثلا اعلى يقتدون به في حياتهم [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ]
[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ]
ونسالكم الدعاء

تابع ابلغ المواعظ   9

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com