ابلغ المواعظ    5

 

عن امير المؤمنين في التنبيه الى حقيقة الانسان في الدنيا قال:

[إنما أنتم نفس معدود]
اي ان الانسان في حقيقته هو انفاس معدودة من اول نفس يأخذه في الدنيا عند خروجه من بطن امه الى اخر نفس فيها قبل الموت، فلو حسب الانسان عمره بالسنين والايام والساعات والدقائق والثواني وعدد الانفس في ذلك لخلص الى ان العمر كله هو انفاس معدودة، محسوبة عليه ومحاسب بها في القيامة منذ اقامة الحجة عليه من ربه، ولذا ليس للوقت قيمة فحسب بل ان لكل نفس له قيمة اذ هو وسيلته التي يصل بها الى الجنة او النار فينبغي ان يحرص عليه ان لا يذهب هدرا.
 

[وأمل ممدود]
وان اعمال الانسان في حقيقتها انما هي امل ممدود تسول له نفسه الوصول اليه، ويزين له الشيطان تحقيقه لينصرف فكره الى الدنيا بعيدا عن الاخرة، ولكن النتيجة هي نهاية الامال عند الموت، فلن يدرك الانسان كل اماله ابدا، اذ كلما قطع منها شوطا تجدد له اخر حتى تأتيه ساعته التي لابد له من مغادرة الدنيا فيها، وهو ما يجعل المؤمن العاقل لا يغفل عن الاخرة التي ينال بها امانيه ورجائه فقط اما الدنيا فهي امل ممدود من دون نتيجة وثمرة .
 

[وأجل محدود]
فحقيقة فرصة الحياة هي محدودة بمجيء الاجل، فالعمر في الدنيا فترة محدودة سواء اطالت المدة او قصرت، وهو ما يلزم اهل الايمان والرشد ان ينتبهوا الى ان الدنيا لن تدوم بحلوها او مرها فانما هي مدة محددة عليهم المسابقة للوصول فيها الى مرفأ الامن والامان قبل غرق سفينتهم في بحر العواصف الدنيوية.
 

[ولابد للأجل أن يتناهى]
فلابد من تناقص مدة الاجل وانتهائها، فكل يوم ينقضي من عمر الانسان هو نقص من اجله وينبغي ان يحزن وياسف عليه ان لم يكن قد استفاد منه لاخرته، والاولى به ان يقيم مجلس عزاء بدلا من الاحتفال بانقضاء كذا عام من عمره .
 

[وللنفَس أن يحصـى]
فلابد للانفاس ان تنتهي بعد ان يتكامل عددها فالعدادات الالهية لا تخطأ ولا تتعطل لانها تعمل بقوة الله وارادته وهي صالحة للاعادة في كل الاوقات والاماكن.
 

[وللعمل أن يطوى]
ولابد لصحيفة الاعمال ان تطوي وهنا تكون قد انتهت فرصة الحياة الدنيوية وادخل الانسان في عالم الاخرة وبدا الحساب الاخروي في مراحله الاولى عليه ليذوق جزاء عمله السابق .
﴿وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾
 

فلا نسيان ولا غفلة ولا سهو ولا خطا ولا خيانة من ملائكة رب العالمين التي تحصي على الانسان اعماله لتقدم تقريرها الموثق وشادتها الصادقة في يوم القيامة. ولذا نبه امير المؤمنين الى هذه الحقائق فقال عنها:
 

[كم من مؤمل مالا يبلغه، وبان مالا يسكنه؟]
اي ان الموت حينما يعاجل الانسان فانه يزيل كل اماله، ويهدم كل مساعيه الدنيوية، وقد أعذَر من أنذَر فحجج الله قد احاطت بالانسان من كل جانب وقطعت كل عذر
ولا تنسونا من صالح دعائكم

 تابع  ابلغ المواعظ   6

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com