ابلغ المواعظ     3  

عن امير المؤمنين ع قال في صفة الدنيا وحقائقها الثابتة التي ينبغي ان لا يغفل عنها الانسان ويعرف كيف يتعامل معها قال:
 

[ ما أصف دارا أولها عناء وآخرها فناء ]
فطبيعة الدنيا انها خلقها الله لامتحان الانسان، ولم يجعلها دارا للبقاء والجزاء، ولذا تكون لها شرائطها واحوالها الخاصة بها والتي من ضمنها ان يكون الانسان في عناء خلال مدة وجوده فيها، فالجوع والعطش، والوهن والضعف، والمرض والعافية، والمكابدة النفسية والبدنية في العيش في الدنيا ترافق الانسان منذ ولادته حتى مماته سواء اكانت من اجل تحصيل امور الدنيا او الاخرة، كما ان الدنيا لابد وان تنتهي مهما طال العمر فيها اذ هي فترة مؤقته مصممٓة للابتلاء والاختبار ليكون بعدها الجزاء في الاخرة بموجب عمل الانسان وسعيه بعد اقامة الحجة عليه من الله

 [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ].
 

[ في حلالها حساب وفي حرامها عقاب]
فاعمال الانسان في الدنيا تحت النظر والمراقبة والتوثيق بالافلام الدقيقة المجسٓمة والشهادت الكونية للاشياء والكشوفات الملائكية الصادقة والتي تشمل اعمال الانسان جميعا، في الليل والنهار، والخلوة والاجتماع، والخاصة والعامة، فلا يترك منها شيئا من دون حساب في يوم القيامة حيث تكشف اعمال الانسان جميعا الحلال منها والحرام ليجزى بموجبها ما يستحقه من الجزاء في الاخرة، والا فان ترك الجزاء الاخروي عن عمل الانسان في الدنيا فيستوي الظالم والمظلوم، والمعتدي والمعتدى عليه، والقاتل والمقتول، هو خلاف العدل الالهي ونقض لعلة خلق الانسان

[أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ؟ فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ]
 

[من استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن].
فمن نال من الدنيا الغنى والسعة في المال فانه يتعرض للفتنة والاختبار فيما يعمله بماله وثروته التي رزقه الله بها، فيسال عما انفقه للدنيا وعما انفقه للاخرة، وفي مدى رعايته لحق الله وفروضه التي اوجبها عليه، فالهوى وحب الدنيا والانا من وسائل فتنة الشيطان التي تصده عن ذكر الله وذكر الاخرة والاعداد لها.
اما من حرم من السعة في المال وناله الضيق في العيش ومعاناة الحاجة والفقر، فانه يتعرض للحزن والالم والحسرة والاذى لعدم تمكنه من فعل ما يريد، وكلا الحالين من الفقر و الغنى هما وجهان لحالة واحدة وهي الابتلاء والاختبار في الدنيا.
 

[ومن ساعاها-اي سعى لنيل الدنيا- فاتته، ومن قعد عنها آتته]
فمن طبيعة الدنيا ان من يسعى لها ويرغب فيها لا يستطيع ان ينال كل ما يريده منها لانه لا يملك الحركة والقدرة الا في مساحة ضيقة محددة ضمن ما خلقه الله عليه من القوى العقلية والبدنية وفي قضاء وقدر مسبق وعمر محدد لا يدري متى يعاجله الاجل فيرحل عن الدنيا تاركا ما نال منها على ترابها
كما ان من ترك الدنيا واعرض عنها او ضعف عن تحصيل مقاصده منها فان رزقه المقدر له في الدنيا لابد وان يصله فلن تموت نفس قبل ان تستكمل رزقها، فلا الذي سعى للدنيا نال حاجته منها، ولا الذي اعرض عنها منع رزقه المقسوم له من الوصول اليه، وما اكثر القصص والروايات في ذلك التي تظهر ان الانسان مخلوق مدبر.
 

[ومن أبصـر بها بصّـرته ومن ابصـر إليها أعمته]
فمن اراد ان يستفيد من الدنيا ويكتسب منها العبرة بالنظر الى احوال الماضين من الساكنين فيها وما جرت به الايام عليهم وكيف كانت نهايات امورهم، فانه يصل الى فهم حقيقة الدنيا ويبصر واقعها، اما من ابصر اليها ونظر اليها والى زينتها وزخارفها طامعا في لذائذها ونفعها العاجل، فان بريقها يعمي عينه ويشغل قلبه ويحول بينه وبين ادراك واقع حالها، وحقيقة امرها، ولذا فقد نبه امير المؤمنين ع الى قيمة الدنيا فقال:
 

[إنكم إلى الاهتمام بما يصحبكم إلى الآخرة أحوج منكم إلى كل ما يصحبكم من الدنيا]
اي انكم بحاجة الى العمل الصالح الذي يصحبكم بعد الموت اكثر من حاجتكم الى جمع اشياء الدنيا التي ستتركوها بعد الموت، فان الاكثار من الدنيا ينسي الاخرة ويحجب القلب عن الله وعن ابتغاء فضله ورضوانه وهو ما يبقى له في اخرته بعد زوال الدنيا

 [ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ]
ونسالكم الدعاء

 تابع  ابلغ المواعظ   4

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com