ابلغ المواعظ     11

 

عن امير المؤمنين ع قال:
 

[النَّاسُ فِي الدُّنيَا عَامِلَانِ ، عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنيَا لِلدُّنيَا، قٓد شَغَلَتْهُ دُنيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ، يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ الْفَقرَ وَيَأمَنُهُ عَلَى نَفسِهِ، فَيُفنِي عُمُرَهُ فِي مَنفَعَةِ غَيْرِهِ].
يتناول امير المؤمنين في هذا الحديث تصنيف الناس من حيث اعمالهم في الدنيا ونتائجها التي يحصلون عليها من ذلك، فهناك صنفان من الناس، صنف قد جعل الدنيا محور اعماله وغاية سعيه وجهده، فشغلت اهدافها تفكيره وعقله، وملئت همومها نفسه وقلبه، فهو مشغول بها في كل الاوقات يسعى لتحصيلها وتأمين احتياجاته المستقبلية منها، سواء ما يتعلق بنفسه، او ما يتعلق بمن يهمه امره من ذريته واهله، خوفا عليهم من الفقر والحاجة عند رحيله عن الدنيا فلا يتعرضوا من بعده للاذى والعناء، فهو يتحمل مشاكل الدنيا من اجل راحتهم ويشقى من اجل سعادتهم وغناهم من بعده .
 

ولكنه نسي وهو في غمرة انشغالاته لتأمين المال والثروة لأهله واحبته من اولاده ومن يعنيه امره انه هو قد اصبح فقيرا في الاخرة بعدم تهيئة ما يلزمه من الزاد الذي يحتاجه هناك من الاعمال الصالحة والطاعات التي تنجيه من النار وتدخله الجنة، فهو من الذين اخبر الله عنهم في كتابه بقولهم [شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا] قد فارق الدنيا وذهب الى الله فقيرا من الحسنات.
 

[وَعَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنيَا لِمَا بَعدَهَا، فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ ، فَأَحْرَزَ الحَظَّيْنِ مَعاً وَمَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً، فَأَصبَحَ وَجِيهاً عِندَ اللهِ لَا يَسْأَلُ اللهَ حَاجَةً فَيَمْنَعُهُ] .
اما الصنف الثاني من الناس فهم الذين جعلوا الاخرة هي المحور لأعمالهم، فسعوا اساسا في تهيئة الزاد لاخرتهم بما ينجيهم يوم القيامة من النار ويفتح لهم ابواب الجنة، فبادروا الى الطاعات والصالحات واداء الفرائض والواجبات لعلمهم ان الدنيا فترة قصيرة سرعان ما تنتهي من دون اخبار مسبق لينتقل الانسان بعدها الى مستقره النهائي وخلوده الدائم في الجنة او النار، فهو وعد الله وقضاؤه في الدنيا [فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ] ، غير ان هؤلاء المؤمنين وهم في غمرة انشغالهم بالاخرة والاعداد لها لم يغفلوا عما يلزمهم لدنياهم من الضروريات والواجبات ومستلزمات الحياة فيها، فاعتزال الدنيا وهجرها والرهبنة فيها ليس من اصول دينهم التي دعاهم الله ورسوله اليها كما في قوله تعالى: [وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ]، فهم يراعون امور الدنيا والاخرة ولكن عند حصول التعارض بين المصالح الدنيوية والاخروية، فان الاخرة هي التي تتقدم على الدنيا، فمن يضع ثقته بالله ويسعى في تقديم رضاه على هوى النفس ورضاها، فان الله لا يترك عباده الصالحين، فالمقسوم من الدنيا لابد وان يصلهم بلطف الله وفضله على عباده، الا ان الافاضات والزيادات والكرامات هي نصيب المؤمنين والمخلصين قبل غيرهم كما في الايات التالية:
[لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] .
[لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ].
وقال كذلك في عطائه للمخلصين الصادقين:
[لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ].
[وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا].

 

وفي هذا التفصيل والتذكير من حديث امير المؤمنين ما يشكل منهجا ومسلكا لكل المؤمنين والصالحين في حياتهم ومنقلبهم الى الله بعد الدنيا
[وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا،كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا،انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا].
ونسألكم الدعاء

تابع ابلغ المواعظ   12

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com