التوكل على الله   5


   تقدم الحديث عن التوكل وشروطه ومعناه، وتبين أن المتوكل على الله لا يترك الأسباب الطبيعية في الكسب أو التجارة أو الصناعة أو التشافي من الأمراض أو حسن الإختيار عند الزواج أو أي مورد من امور الدنيا لأنها من سنن الله، بل إن المتوكل معني قبل غيره بمراعاة هذه السنن لنيل التوفيق الدنيوي والأخروي، فالمتوكل يقدم التفكير والتأمل، والاستشارة والسؤال، والاستفادة من تجارب الآخرين، والاستفادة من كل الوسائل والامكانيات العصـرية في الوصول إلى مقاصده، إلا أنه يختلف عن غيره من الساعين لتحقيق اسباب النجاح بأنه موحّد لربه مخلص له، مسلّم لأمره، عالم أن مجاري الأمور بيده، وأن لا فاعل في الكون غيره، فلا يثق بالأسباب ولا يعتمد عليها إلّا من كونها وسائل تستمد قوتها ووجودها من لطف الله وفضله وعنايته، فلا يتعلّق قلبه إلّا بمسبب الأسباب، ولا يرجو سواه في قضاء أي حاجة من حوائجه، لأنه يعلم أن ارادة الله هي الحاكمة، وإن حكمه هو الغالب، ولا راد لحكمه وقدره وقضائه، وكل ما يأتي من المحبوب فهو محبوب.
 

ولاجل تكامل الصورة وفهم بعض مصاديق التوكل فقد ينبغي التعرض الى بعض الاحاديث التي تعرض لذلك ومنها الاحاديث التالية:
 

عن رسول اللهﷺ قال:
[ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُم أَخَذُوا بِهَذهِ الآيَةِ لَكَفَتهُم:﴿وَمَن يَتَوكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهٓ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾]
 

   أي أن من يعلم أن لا فاعل في الكون إلا الله، وله تعود الاسباب كلها، وإن أمر الله هو الغالب، وحكمه هو النافذ على الخلق جميعاً، وإن أمر الله وقضاءه متحقق قطعاً، وإن الله قد جعل لكل شيء قدرا، فهو أولى الناس بالتوكل على الله وتفويض الامر اليه والتسليم لقضائه وقدره، فقدر الله هو الغالب وسيختار الله له الافضل والاكمل بما يتناسب وشأنه وحاله وبما يعود عليه بخير الدنيا والاخرة عند توكله عليه فهو عند قوله ووعده ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾.
 

عن رسول اللهﷺ قال:
[مَن تَوَكَّلَ عَلَى الله كَفَاهُ مُؤنَتَهُ، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحتَسِبُ]
 

   أي إنّ من يضع ثقته بالله ومواعيده الصادقة لعباده، فإنه يكون قد كفي نفسه المؤونة والتعب واتاه الله برزقه المقدّر له بما فيه خير الدنيا والاخرة، فوعد الله صادق في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾ اي ان الرزق المقدر لكل انسان لابد وان يصله، فلن تموت نفسا حتى تستكمل رزقها المقدر لها، الا ان من يتوكل على الله فهو يفوض امره اليه بمعنى ان قلبه لا يكون متعلقا بالاسباب (التي هي من سنن الله في تحصيل الرزق) وانما يكون قلبه متعلقا بمسبب الاسباب فهو الذي سيختار له افضل الاختيارات التي تناسب حاله وقدرته وبما يعود عليه بخير الدارين.
 

عن رسول اللهﷺ قال:
[ لَو أَنَّكُم تَتَوكَّلونَ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزقَكُم كَمَا يَرزُقُ الطَّيرَ، تَغدُو خِماصَاً وَتَرُوحُ بِطَانَاً ]
 

   بمعنى لو أن العباد وثقوا بمواعيد الله وكفايته لخلقه، وسلّموا له أمرهم وقيادهم، واتبعوا سننه في الرزق، ورضوا باختياره لهم، لرزقهم الله من فضله وأتاهم من نعمه من كل مكان، وهو ما يتطلّب من العبد ان يتعلق قلبه بربه كتعلق الطفل بأمه فلا يرجو غيره ولا يسأل سواه ولا يبحث عن غيره.
وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com