التوكل على الله   4

 

تقدم الحديث عن التوكل على الله في انه يقتضي مراعاة الاسباب والسنن التي جعلها الله في الحياة ولكن من دون التعويل عليها بل يكون التعويل والاعتماد على مسبب الاسباب لان الامر كله بيده [يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِله ] فإذا ما علم العبد أن مسبب الاسباب لا يضاهيه أحد في علمه وقدرته وحسن رعايته للمتوكّل فإنه تطمئن نفسه بحسن قضائه واختياره للافضل والانسب والاكمل لعبده بما يناسب حاله وشانه.
 

فلو اجتمع أهل الأرض وأهل السماء على أفضل عقل فيهم، وأعظم علم وهبه الله لهم، وجعل الله لهم مثل ذلك العلم والعقل اضعافا مضاعفة كثيرة لادراك الامور بعمق وبصيرة، ثم كشف لهم من اسرار الملكوت، وعرّفهم دقائق اللطف الإلهي، وأعطاهم قوانينه وحكمه في الأمور، وكشف له عواقب الامور والقضاء الذي اختاره للعباد ثم أمرهم بإحداث زيادة أو نقصان أو كمال فيما دبره لخلقه من الامور، لما استطاعوا تغيير ذرة مما خلق، ولا أن يرفعوا عيباً أو مرضاً أو فقراً أو غناً أو إحداث أي تغير في الكون، إذ هو سلسلة مترابطة من العلل والمعلولات، فهو على أفضل حال، وأحسن حال، وأكمل حال، وليس بالإمكان اصلاً إيجاد ما هو أحسن منه، ولو كان الأمر كذلك أي كانت هناك قدرة على إيجاد أفضل من هذا التدبير الالهي للكون، لكان هذا نقصاً في الله سبحانه وعيباً فيه وبأنّه ليس له الكمال الـمطلق، وحتى لو قيل بأن له سبحانه القدرة في التنظيم والتدبير ولكن لم يستعملها لتحقيق الافضل فان مثل هذا الادعاء يكون ظلماً يخالف العدل وبخلاً يخالف الجود والكرم وحاشاه من ذلك.
 

فما اجراه الله سبحانه من الخلق والتدبير يمثل الذروة والكمال في كل شيء ولكن عقل الانسان لا يبلغ فهم الحكمة من ذلك وخصوصا عند عدم ملاحظة الابعاد الاخروية وترابطها مع شؤون الدنيا، فكل ضرر ونقص في الدنيا لخلق الإنسان هو زيادة في الآخرة له، وكذا الحال في الحظوظ والمقادير، فكل زيادة في الدنيا هو نقص في الآخرة، فنعيم الدنيا يقابله النعيم في الآخرة، وما نقص من الإنسان في دنياه يعوّض له في آخرته، ولولا الخلق الكامل والناقص، والليل والنهار، والسواد والبياض، والعدل والظلم، والغنى والفقر، لما عُرف النقيض، ولما عُرفت النعمة، ولما كانت الدنيا دار ابتلاء وامتحان، في حين أن أهل الآخرة هم أهل الكمال الذين لا يجدون نقصاً في شيء من حياتهم الأبدية الخالدة.
 

فمن دخلت هذه المفاهيم في قلبه واستوعبها عقله ووجدانه، فإن اطمئنانه بالله يكون عظيمـاً جدا، كما يكون راضياً عن كل قضائه وقدره، مسلماً لأمره واختياره، لأن في ذلك خير الدنيا والآخرة له، فقد يقتضي الحال احيانا فداء الكامل بالناقص كما تقطع اليد أو الرجل إذا تآكلت حفاظا على بقية الجسم أو على روح الإنسان.
فكل ما يكون من قضاء وقدر هو عدل ولطف رباني لا جور فيه، وحق لا لعب فيه، فقد سبق القضاء والقدر بعد سبق المشيئة لله، فلا رادّ لحكمه، ولا معقّب لقضائه، وكل صغير وكبير في كتاب مستطر وحصوله بقدر معلوم منتظَر ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وكلما تكامل الإنسان في علاقته مع الله كان أكثر بصيرة وإدراكا وسعادة في الدنيا والآخرة بما ادركه من معاني الربوبية وألطافها وتدبيرها.
وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com