التوكل على الله  3

 

تقدم الحديث عن معنى التوكل ودرجاته المتناسبة مع فهم الربوبية ومعرفة خصائصها، فالدرجة الاولى او العليا هي درجة تفويض المؤمن امره الى الله من دون شرط وقيد مطمئنا وراضيا باختياره لعلمه بعظمة ربه وسننه في خلقه، ثم تليها الدرجة الثانية وهي درجة تفويض الامر الى لله مع الرجاء بتحقق ما يريده العبد في توكله وذلك لعدم الادراك الواضح لسنن الله وارادته، اما الدرجة الثالثة فهي درجة تفويض الامر الى الله ولكن مع السعي في تحصيل ما يريده العبد من ربه من خلال الاعتماد على الوسائل التي جعلها الله سببا للتقرب والتوسل اليه كالدعاء والصدقة، فجميع هذه الحالات الثلاث تمثل درجات من التفويض الى الله والتوكل عليه رغم وجود الاختلاف في درجات الرضا والقناعة من العبد فيما يختاره الله له وذلك بسبب التفاوت في درجات المعرفة بالله وسننه وارادته في خلقه.
 

فمن الامور التي ينبغي للمؤمن ادراكها في معرفة الخالق وصفاته وعلمه وقدرته هو ان يتعرف كذلك على سننه وقوانينه في خلقه، اي يتعرف على الأسباب والمسببات التي أجراها الله في خلقه من خلال ما اوضحه لهم في كتابه الكريم وما تحدثت به انبيائه وحججه، فقد جعل الله من سننه أن الأسباب لا تجري إلا بوجود مسبباتها، فلا يكون الولد من دون لقاح البويضة بالحيمن، ولا يكون المولود كاملاً راشدا إلا بعد مروره بفترة الطفولة والصبا والشباب، ولا يكون العلم إلا بعد التعلم، ولا يكون الحصاد الا بعد الزرع، وهكذا الحال في جميع امور الحياة فلابد من تهيئة الاسباب التي قدرها الله للأشياء لحصولها، وهذا يعني أن المتوكل على الله لابد له وأن يراعي الأسباب الطبيعية التي اجراها الله في خلقه للحصول على ما يريده، فلا يكون رزق من دون سعي وعمل، ولا شفاء من دون دواء وعلاج، ولا ثمرة من دون زرع وعمل، ولا بناء من دون بان، وهكذا الامر في بقية الاشياء، فان ذلك لا يخلّ في التوكل على الله، بل هو ما دعت إليه الآيات القرآنية والأحاديث الـشريفة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَـهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ فهذا الاعداد والاستعداد والحذر لا ينافي التوكل على الله لان التوكل لا يعني مخالفة السنن والقواعد الالهية التي اجراها في خلقه بل يعني تفويض الامر اليه والخضوع لسننه والعمل بما يقتضيه الواقع الا ان القلب يكون معلقا بالله راضيا باختياره وقضائه، وفي الحديث إن رجلاً ترك راحلته قرب المسجد ثم دخل للصلاة فلما خرج لم يجدها فقال للنبي شاكياً إني توكلت على الله، فقالﷺ: إعقلها وتوكل  (أي اربطها في موضعها ثم توكل على الله) فالله سنن وقواعد تحكم الكون بكل تفاصيله ولا يمكن تركها او تخطيها.
 

فلا ريب إن الإنسان مكلف بطلب الرزق بالأسباب التي هداه الله إليها من الزراعة أو التجارة أو الصناعة أو غير ذلك من الامور والوسائل التي أحلها الله له، ولكن الله سبحانه اراد من عباده أن لا يثقوا إلا به ولا يعتمدوا إلا عليه من دون الاعتماد على الوسائل والأسباب، ولا حتى على اعمالهم او نواياهم الحسنة بل يعتمدوا على فضل الله ورحمته، ولذا كان الأنبياء والأئمة يعملون بأيديهم لطلب الرزق ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾ ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْـحَدِيدَ﴾ فلو كان ترك الكسب من التوكل لكانوا هم اولى به، ولذا حثت الروايات الشـريفة على الكسب والعمل الحلال واتباع السنن الالهية في تحصيل الارزاق وكذلك هو الحال في الامور الدنيوية الاخرى من علم او عمل او جهاد وما شابه حيث ينبغي الرجوع إلى الأسباب الموضوعية والعلمية في تحقيقها الا ان التوكل على الله والتفويض اليه والرضا باختياره هو المحور والاساس في الامور.
 

وفي الحديث عن الامام جعفر الصادق ع حينما قيل له: أن رجلاً قال لأقعدنّ في بيتي ولأصلينّ ولأصومنّ ولأعبدنّ ربي أما رزقي فسيأتيني.
فقال ع: «هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم».
 

فلم يرد عن الله أو عن نبيّه في وصف المتوكلين أنهم لا يعملون وإنهم ينقطعون عن الدنيا باتخاذ الجبال والكهوف أماكن للعبادة بل وصفهم بأنهم يتعاطون أسباب الرزق الحلال والأسباب الموضوعية في النجاح، ولكنهم لا يعتمدون على الأسباب وإنما يعتمدون على مسبب الأسباب، فإن اتخاذ السلاح للأمن من الأعداء وربط الدابة وإحكام غلق الباب، هي وسائل لا تنفع من دون ارتباطها بمسبب الأسباب، فكم من شخص قد قتل مع حمله للسلاح، وكم من دار قد سرقت رغم احكام غلق الباب، وكم من دابّة قد ماتت أو ضلت عن طريقها رغم احكام وثاقها، وكم من زرع تلف قبل اوان حصاده، فالأصل في التوكل هو الإعتماد على الله سبحانه وتعالى الذي هو مسبب الأسباب وتفويض الأمر إليه والخضوع لسننه وقوانينه وهو المعنى المراد من الاية: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمـُتَوَكِّلُونَ ﴾
وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com