التوكل على الله   2  

 

تقدم الحديث عن التوكل وشروطه في الوكيل من حيث العلم والقدرة والعناية بما وكل به وتبين مدى تحقق هذه الشروط في علم الله وقدرته وعنايته بعبده ورعايته له من قبل خلقه وبعد خلقه، وقد تضمنت كثير من الايات هذه المعاني ونورد نموذجا منها فيما يتعلق برعاية الله وفضله ورحمته على العباد :
﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾
﴿فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الخَاسِرِينَ﴾
﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾


فليس بعد عناية الله ورحمته عناية ولولاها لهلك الانسان وهو ما يدعوه للاستجابة لدعوة ربه بقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَىٰ بِاللهِ وَكِيلًا ﴾.
 

على أنه كلما ازداد الإنسان في معرفته بمدى علم ربه وقدرته وتدبيره للأشياء زاد اطمئنانه وثقته به، فكل ما في الكون من خلق ورزق وتدبير وقضاء وقدر وإرادة إنما يكون بمشيئة الله وإرادته وتدبيره ودوام سلطته وهيمنته على الوجود وخضوع الاشياء كلها لإرادته، فقوّة التوكّـل ترتبط بفهم حقيقة التوحيد وأثره العملي وفاعليته في الحياة والكون، والاعتقاد بانه لا يوجد فاعل في الكون الا الله وكل ما سواه اسباب ووسائل لتنفيذ امره وارادته، علما بان التوكل لا يعني تحقق كل ما يريده العبد بحذافيره، لان الله هو اعلم بالمصلحة الكلية التي تترتب عليها مصلحة العبد ومصلحة الاخرين وما قام عليه قانون الوجود الشامل، ولكن عندما يفوض العبد الامر الى الله فانه يختار له افضل ما فيه مصلحته وما يعود عليه بحسن العاقبة والسلامة في الدارين بخلاف ما لو ترك العبد ونفسه في اختيار مصلحته فانه سيعمى عن اختيار الخير وحسن العاقبة.
 

ومن خلال ذلك يتضح ان للتوكل ثلاث مستويات او ثلاث درجات:


الدرجة الأولى هي درجة الأنبياء والأولياء والمقرّبين في توكّلهم المطلق على الله والمعتمد على الادراك لعظمة الربوبية وتاثيرها الفاعل الدائم في الوجود، فهؤلاء لو كشف لهم الواقع ما ازدادوا يقيناً لعلمهم بالله وقدرته وتدبيره، ولكن يزداد لهم الأمر وضوحاً، كمن يشاهد شخصاً في الليل فيطمئن بأنه إنسان ولكن بمجيء النهار تنكشف تفاصيل وجهه ووضوح سماته وذلك معنى قول المنسوب لأمير المؤمنين(ع):(لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً) فهو عالم بعظمة الله وسننه وحسن اختياره وتدبيره، فهؤلاء لهم القرب من الله والمكانة الخاصة عنده ولهم الاجابة والكفاية المطلقة لأن توكلهم عليه يتسم بالتوكل الكامل المبني على العلم والمعرفة الشاملة بالوكيل ومستلزمات وخصوصيات الوكالة المتعلقة به والرضا بكل ما ياتي منه.


الدرجة الثانية من التوكّل هي توكّل المخلصين والصادقين وذلك بالاعتماد على الوكيل والاطمئنان الى تدبيره باعلى الدرجات، فهو ناشئ من اليقين بعلم الوكيل وقدرته واهتمامه، إلّا أنّ معرفتهم تتسم بالمحدودية والنقص النسبي في فهم معنى الربوبية وخصائصها ومستلزماتها وشؤونها، فيكون تعلّق العبد بربّه كتعلّق الطفل بأمّه، فهو لا يعرف غيرها ولا يفزع لسواها ولا يعتمد إلّا عليها، فإن شاهدها تعلّق بها وتشبّث بأذيالـها ولم يتركها، ولو أصابه أمر في غيبتها فإن اول كلمة تسبق إلى لسانه كلمة ماما أو يا أماه ولكن من دون الوعي والمعرفة الكاملة لخصائص أمّه وقدراتها والتزاماتها، وهكذا يكون حال المتوكلين في هذه الدرجة واعتمادهم على ربهم بهذه الكيفية.
فمثل هذا اليقين من العبد بربّه يجعله مشدوداً إلى الله لا يعرف غيره ولا يفزع إلّا إليه عند كل نائبة أو شدة، ولكنه لا يلتفت إلى التوكل ومستلزماته وخصائصه، وإنما إلتفاته وتوجهه إلى الوكيل فقط، فلا يوجد في قلبه غير الوكيل من دون العلم بسننه في خلقه، ولذا تكون معاملة الله له من الرحمة والاحسان كمعاملة الأمّ لطفلها، فهي تطلبه وإن لم يطلبها، وتتفقد أموره وحاجاته حتى قبل أن يسألها وكذا يتفقد الله عبده ويرعاه ويعتني به حتى قبل السؤال والطلب لطفا منه واحسانا على عبده.


الدرجة الثالثة وهي لعموم المؤمنين والصالحين وهي التوكل على الله ولكن ليس بملاحظة الوكيل وحده وإنما بملاحظة الأسباب معه التي تعين على نجاح الوكالة، إلّا أنّ المتوكل لا يرجع إلى غير وكيله، وبمعنى آخر إن العبد لا يسأل غير ربه ولكنه يلتفت ايضا إلى الأسباب والوسائل التي تعطيه القوة والنجاح في سعيه ولكن بما أمره وكيله، فيلجأ إلى الأسباب المادية والمعنوية كالابتهال والدعاء والصدقات والوسائل التي تقرب في تحصيل غايته، إلا أنه لا يرجو أحداً غير ربه ولا يعتمد على الأسباب في تحقيق مقاصده لأنه يعلم ان الأسباب هي بيده، فهو الواهب لكل شيء قدرته ووجوده، وقوته وحياته، وهو خالق الأسباب كلها وموجدها.
غير أن اشتغال العبد بالتحضير للوسائل والتدبير لها، يجعله منشغلاً بها متوجهاً لها مما ينقص من اشتغاله وتوجهه إلى الوكيل كانشغال الطفل بأمّه، ومن هنا يكون التفاوت بين المتوكلين في هذه الدرجة من حيث نوعية اعتمادهم على الوسائل كونها وسائل معنوية أو مادية وطريقة تعاملهم مع هذه الوسائل ودرجة الاهتمام بها والوعي لمقاصدها.
 

وفي ما عدا هذه الدرجات الثلاث من التوكل، فان الاعتماد على الاسباب المادية والتعويل عليها لا يعد ذلك من التوكل في شيء، بل على العكس هو أبعد ما يكون عن التوكل حيث يكله الله إلى ما اعتمد عليه.
وللبحث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com