التوكل على الله  1

 

لله سبحانه وتعالى نِعٓم لا تحصى على العباد والطاف ظاهرة وباطنة، ومن ذلك الدعاء والتوكل والتقوى والتوفيق وغيرها من الالطاف الالهية التي يغفل عنها الناس وهي ميسورة وبلا ثمن وكلفة وعناء مما يضيعون بذلك فرصا عظيمة في تيسير امور دنياهم واخراهم.
 

وفيما يتعلق بالتوكل فقد ذكره الله في ايات بيّنة محكمة و دعا العباد اليه بقوله:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَىٰ بِاللهِ وَكِيلًا ﴾
﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وٓكِيلا ﴾
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾
﴿وَلِله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأرْضِ وَكَفَىٰ بِاللهِ وَكِيلًا ﴾
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا ﴾
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾


وعدد اخر من الايات وهو ما يستدعي التوضيح لأهمية هذا اللطف الالهي وتوضيح معناه وتفاصيله كما يلي:
التوكل مشتق من الوكالة وهي التفويض الى الاخر، فعندما يقال: فلان وَكَلَ أمره إلى فلان، أي انه فَوّض الأمر إليه واعتمد عليه في انجازه، ويسمى الموكول إليه او المخول له الامر (الوكيل)، والقائم بالتفويض (المتوكل)، فمن يتوكل على الله فإنما يفوّض أمره إلى الله ويخوله في إنجاز الأمر، وفي ذلك عدة أمور مهمة ينبغي توضيحها:


أولاً: التوكل يتطلب الثقة الكاملة من الموكل بالوكيل من حيث العلم والقدرة والعناية بالموضوع، وبشـرح أكثر تفصيلا ينبغي أن يكون للوكيل او المخول اليه الامر ثلاث صفات:


(١) العلم والإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه لكي يستطيع أن يؤدي وظيفته فيه.


(٢) أن يمتلك القدرة أو القوّة على الفعل من دون قصور أو تقصير فلا يكون ضعيف العقل او ضعيف النفس يخضع للخوف والجبن او الضغوط النفـسية أو الاجتماعية أو السياسية أو أي مؤثر آخر يضعف من قوّته وقدرته .


(٣) أن يكون عند الوكيل العناية والاهتمام بالمتوكّل وخاصّة بالموضوع الذي اوكّله اليه.
فإذا اعتقد الموكّل بعلم الوكيل، وقدرته، وعنايته بالامر، فإن هذا يعني اعتماد القلب على الوكيل وإلاطمئنان إلى تدبيره مما يؤدي الى الارتياح النفسي والعملي للمتوكل.


وإذا ما لوحظت هذه الشـروط في التوكّل على الله فإننا نجد:
ان علم الله قد أحاط بكل شيء ولم يغب عن علمه شيء من الاشياء، فهو الخالق للأشياء كلها، والعالم بها ابتداء وانتهاء، وليس بعد علمه علم، او كما قال في كتابه الكريم:
﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

 

اما بالنسبة لقدرته فهو القادر على كل شيء ولا حدود لقدرته، فهو الفاعل لكل شيء في الوجود، بل لا يوجد احد فاعل غيره وليس بعد قدرته قدرة وهو القائل في كتابه:
﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْملْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

 

اما بالنسبة لرعايته للانسان فان عنايته به لها شان خاص مميز تمتد من قبل خلقه وبعد خلقه حتى مماته وانتقاله للعالم الاخر، فمن يواكب العلوم العصرية فيما وصلت اليه في الاكتشافات والابحاث والمعارف الحديثة فانه يرى عظمة الله واياته في خلق الانسان وتدبير امره في هذا الكون الواسع، فهو يحمل الاف الملايين او المليارات من الفايلات الكومبيوترية التي تقوم بتنظيم عقله واجزاء جسمه بصورة الية وفي كل لحظة من حياته، من حيث يشعر او لا يشعر، في صحوته ونومه، وفي عمله وسعيه، وفي غضبه وسروره، وفي حزنه والمه، وفي مرضه وعافيته، وفي كل شان من شؤون حياته، ابتداء منذ انعقاد نطفته في رحم امه الى خروجه للدنيا وهو مولود لا يفقه شيئا، الى طفولته وصباه، والى شبابه وشيخوخته، وحتى يوارى الثرى عند مماته، ولولاها لما استطاع الانسان الحياة لحظة واحدة، سواء في تدبيره لامور لنفسه او في تدبيره لمعيشته وانسجامه مع هذا الكون العظيم الذي جعله الله فيه، فكل تغير في اي جزء من اجزاء الكون الظاهرة يترك اثره على حياة الانسان كتغير الحرارة والبرودة ونسبة الاوكسجين وثاني اوكسيد الكاربون والغازات والسوائل والجبال والانهار والبحار وطبقات الارض والغلاف الجوي والنبات والحيوان وامثال ذلك، اما الاجزاء الباطنة او الخفية للكون وما فيها من اسرار الخلق الالهي المذهل من التفاعلات والتغيرات والحركات والخلق والايجاد والحياة والموت فان علم الانسان فيها كالقطرة من البحر او اقل من ذلك كما قال الله في كتابه في وصف ذلك بقوله:
[قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ]
[وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ]

ومع كل هذه العناية الالهية للانسان في بدنه وطبيعة حياته فقد جعل مثلها من العناية لعقله ونفسه وروحه حيث جعل لها ابعادها وقوانينها ومؤثراتها التي تهديها وترشدها الى صراط الله [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا][ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ] ، وفوق كل ذلك فقد فتح له من ابواب الرحمة والعناية الخاصة كفتح باب التوبة والمغفرة والرحمة الواسعة كما في قوله :
[وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ]
[نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ]
[وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ]

فعناية الله لعبده ورحمته به لا تخفى على احد، وعلى هذا ينبغي للعارف بمدى علم الله وسعة قدرته وعنايته ان لا يضيع على نفسه فرصة التوكل على الله.
وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com