قبس من نور الامامة

            الحلقة    1    2    3    4    5    6    7

الامام القدوة الحلقة الاولى                                    رجوع الى صفحة (انما يتذكر اولو الالباب)                  

عن امير المؤمنين (ع) قال:
[أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ ويَسْتَضـِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ].


من طبيعة الانسان الاجتماعي هو ان يأخذ ويعطي، ويؤثّر ويتأثّر، في السلوك الاجتماعي والفردي، فهو يتاثّر بمن يجد فيه الخصائص والصفات التي يتقدم بها على الاخرين سيما اذا ارتبط ذلك بالاعتقادات الدينية، ولذا فقد اوضح الله سبحانه في كتابه اهمية هذا الجانب وآثاره على الانسان الايجابية والسلبية وبين انه من الضـروري ان يكون الامام منتخبا ومعيّنا من الله.
ومن هنا كانت الانبياء تتوالى على الامم برحمة الله وفضله ولطفه بخلقه ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾
ولذا كان الانبياء والاوصياء او حجج الله جميعا القدوة والمثل الاعلى والاسوة للناس في جميع الاعمال والافعال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ وهو ما يلفت اليه امير المؤمنين في حديثه هذا:

[أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اِكْتَفَى مِنْ دُنيَاهُ بِطِمرَيْهِ]
(والطمر هو الثوب البالي المستهلك، ولعله اراد بالطمرين: الرداء الذي يكسو الكتفين والبطن، والازار الذي يكسو العورة والفخذين، والذي كان سائدا في اول البعثة النبوية ثم تغير مع الوقت فمن المعروف ان الامام لم يكن له الا ثوب واحد وكان يرقعه عدة مرات حتى قال فيه:

[والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها ؟ فقلت: اعزب عني (اي ابعد عني) فعند الصباح يحمد القوم السرى]
(بمعنى ان الله سيجزي الذين كانوا يتحملون المشاق والعناء من اجل راحة الاخرين )

وعن أبي جعفر الباقر ع أنه قال:
[والله إن كان عليٌّ ليأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد، وإن كان ليشتري القميص فيخيّر غلامه خيرهما، ثم يلبس الآخر، فإذا جاز أصابعه قطعه، وإذا جاز كعبه حذفه،
ولقد وليّ خمس سنين وما وضع آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة
(اي لم يبني بيتا لنفسه) ،ولا أورث بيضاء ولا حمراء (اي لم يورث ذهبا ولا فضة) ،وإن كان ليطعم الناس خبز البرّ واللحم، وينصرف إلى منزله فيأكل خبز الشعير والزيت والخلّ.
ولا ورد عليه أمران ، كلاهما لله عز وجل فيه رضا، إلا أخذ بأشدهما على بدنه، ولقد أعتق ألف مملوك من كد يمينه تربت منه يداه وعرق فيه وجهه، وما أطاق عمله أحد من الناس]

اي ان الامام كان لديه القدرة المادية ليعيش حياة مرفهة ولكنه كان يتصدق بماله في سبيل ويعيش حياة الزهد قربة لله.
 

ولا يحسب البعض ان الامام يطلب من الناس او من شيعته ان يكونوا مثله ولكنه يدعوهم للعمل بما يستطيعون عليه من السيرعلى خطى امامهم فلا يتركوا سعيهم بالاقتداء به بحجة انه لا يمكن لايمكن الوصول الى مستوى الامام،

فهو القائل في تتمة حديثه:
[أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاِجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ]
بمعنى ان على شيعته ان يتمسكوا بالورع والتقوى والاجتهاد في طاعة الله والالتزام بما اراده الله منهم، فان للامام التزامات اشد واكبر من عامة الناس بحكم المسئولية التي حمّلها الله اياه، فيقول عليه السلام في ذلك:

[إن الله تعالى فرض على أئمة الحق، أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس،(اي يعيشوا عيش الضعفاء والمسكين) كيلا يتبيّغ بالفقير فقره].
( باغ وتبيغ: هاج، والمعنى لكي لا يهيج بالفقير فقره فيدفعه الى السـرقة والاعتداء او الكفر وترك الدين).
وهو في ذلك ايضا يضـرب مثلا لمن يتصدى لولاية الناس وتحمل مسئولياتهم السياسية والاجتماعية فلا يعطوا لانفسهم الامتيازات ويتركوا الناس في الفقر والحاجة والمعاناة.


الامام القدوة الحلقة الثانية                                                          

 

عن امير المؤمنين ع  في تتمة حديثه الذي مطلعه:

[أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ ويَسْتَضـِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ]

قال في تتمة الحديث:
[أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اِكْتَفَى مِنْ دُنيَاهُ بِطِمرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرصَيْهِ (الطعم هو مايُأكل بعد الافطار، والمراد به هو قرص الشعير الذي لم يطحن والذي جعله الامام اكله الدائم حتى عند الافطار)
 

[أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَ اِجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ]

 
فَوَ اللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً (والتبر هو فتات الذهب والفضة قبل ان يصاغ)، وَلاَ اِدَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً (اي لم اجمع من غنائم الدنيا مالا او شيئا يوفّر للمستقبل لتدبير حاجات الدنيا)، وَلاَ أَعدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً(ولم اسعى في اعداد ثوب جديد بدلا من الثوب المستهلك القديم)،
 

ثم قال عليه السلام :
[وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى (اي اذلّلها بالتقوى) لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الخَوْفِ الْأَكْبَرِ وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ المَزْلَقِ
(اي موضع الزلق او زلل القدمان عن مكانهما، فلم يكن الامام عاجزا عن الوصول الى اعلى درجات الرفاهية الدنيوية بما عنده من العلم والارادة ولكنه قدم الاخرة على الدنيا فيقول في تتمة حديثه :
 

[وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا العَسَلِ (اي لو اردت الدنيا لاستطعت الوصول الى ارقى انواع العسل والذّه).
 

وَلُبَابِ هَذَا القَمْحِ (ولتمكنت من اختيار افضل انواع القمح واجوده خبزا وطعاما)
 

وَنَسَائِجِ هَذَا القَزِّ(ولاخترت احسن انواع اللباس من الحرير ترفا وجمالا)
 

وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ]
(فان نفس الانسان تزيّن له حب الدنيا وزينتها ولكن نفس علي تابى ذلك لعلمه بمعاناة المحرومين فيقول متمما:
 

[وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ اليَمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي القُرْصِ (فان بعضا من الفقراء في الحجاز واليمامة لشدة فقره لا يجد حتى القرص من الخبز ليشبع منه وانما يأكل الفتات من الطعام الذي ترميه الناس في الطرق او النفايات).
 

ثم يواصل الامام اول كلامه من نقد المترفين من ان بقدرته ان يكون مثلهم في تخير الطعام واللباس ولكن خوف الله وطاعته والقيام بتكليفه يمنعه من ذلك فيقول مستنكرا من ان يفعل مثل ما يفعله المترفون فينام مثلهم متخوما من دون الاهتمام بحاجات الناس وجوعهم فيقول:
[أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً (اي انام وبطني ملأى بالطعام تشكوا سوء الهظم من التخمة كما يفعل المترفون)،وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى (اي بطون تشتكي من الجوع والالم)،
وَأَكْبَادٌ حَرَّى  (اي يغلب عليها العطش والاذى)، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ القَائِلُ:
[وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ]

(والقد وهو سير من جلد غير مدبوغ بمعنى ان هؤلاء الفقراء لشدة جوعهم قد رضوا به ان يكون لهم طعاما ومع ذلك فلا يجدوه)!
 

ثم يتم كلامه فيقول ناقدا وذاما لاهتمام الحكام بانفسهم وشؤنهم الخاصة فقط واغفالهم لشؤون الامة وحاجاتها فيقول:
[أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ العَيْشِ؟
(اي كيف اكون اميرا للناس ولا اشاركهم الشدائد والمحن ولا اكون قدوة لهم في تحمل خشونة العيش ومكاره الدهر!)


 

الامام القدوة الحلقة الثالثة                                                             

عن امير المؤمنين ع  في تتمة حديثه الذي مطلعه:
[أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ ويَسْتَضـِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ]

 قال في تتمة الحديث عن رفضه للحياة المترفة:
[فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالبَهِيمَةِ المَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا

(وهو تعبير رائع عن انحطاط قيمة الانسان حينما لا يكون مهتما بما حوله، ولا بما سيقبل عليه في دنياه واخرته، فيكون كالبهيمة المربوطة والمعدّة للذبح)
أو المُرسَلَة (اي اكون كالبهيمة المرسلة التي تخرج لتبحث عما تأكله فيكون حاله كحالها)،
 

شُغُلُهَا تَقَمُّمُها (فشغل هذه البهائم هو التقاطها للقمامة او ما يرمى من فضلات الطعام)،
 

تَكتَرشُ من اعلافها وتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا.
(اي تملا كرشها وهي بمنزلة المعدة للانسان من أعَلَافِها وهو ما يهيأ للدابة لتجتره في اكراشها غافلة عما ستقدم عليه من الذبح والموت)
 

وهو بهذا يشير الى ان الانسان لم يخلق ليكون كالدابة المربوطة التي همها علفها ولا الدابة المرسلة التي همها البحث عما يملا جوفها، ليوضح بعد تسائله عن سر خلق الانسان عما هو مطلوب منه وحقيقة الامر الذي خلق لاجله فيتم حديثه قائلا:
 

[أَو أُتْرَكَ سُدًى؟ (اي لم اخلق لأترك بلا تكليف شرعي وبلا حساب او كتاب فلماذا خلق الله الانسان اذن؟)،
 (اي لم اخلق لكي افعل ما أشاء واريد من العبث واللهو والاستغلال والظلم ثم اهمل بلا حساب فاين عدل الله اذن؟)،
 

اوْ أَجُرَّ حَبْلَ اَلضَّلاَلَةِ ( ولم يخلقني الله لكي اكون من الضالين اوالمضلّين الذين يجرون حبل الظلالة ويساهمون في اضلال الناس وابعادهم عن الهدى والرشاد)،
 

أَوْ أَعتَسِفَ طَرِيقَ المَتَاهَةِ
(اي ولم يجعلني الله من الذين يركبون او يسيرون في طريق التيه والضياع بلا فكر ولا هدى ليقودوا الناس الى المجهول وسوء العاقبة والمآل ، والاعتساف هو السير في غير طريق واضح، وهو تاكيد لقوله من ان الانسان لم يخلق ليفعل ما يشاء من دون حساب من الله، ثم يشيرالامام الى شبهة تثار قد تثار حول قلة اكله فيقول عن ذلك:
 

[وكأني بقائلكم يقول:إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الاقران ومنازلة الشجعان
(وقد طرح الامام هذا السؤال بعد ان اوضح انه لن يتخلى عن السير في طريق الجهاد في سبيل الله جهادا بالسيف لاعداء الله وجهادا لنفسه في شهواتها وعيشها بالكفاف والزهد، حيث اثار هذا السؤال الذي قد يخطر في ذهن البعض والذي مفاده من ان عدم تناول الطعام يؤدي الى ضعف الانسان جسميا عن القتال، ثم اجاب على ذلك بجواب محكم متين ،الا انه قبل شرح جوابه ينبغي التنبيه في هذا المجال الى ان ما يقال عن امير المؤمنين بوصفه بالانزع البطين اي الاصلع ذو البطن الكبيرة انما هو افتراء عليه بقصد الاساءة له ، وقد ابتدئ هذا الافتراء في زمن معاوية بعد ان استلم الحكم من الامام الحسن واستمر طوال فترة الحكم الاموي الغاشم الى نهايته، والا فمن اين تاتي البطنة لامير المؤمنين وهو ياكل اقل مما ياكله الفقراء من الطعام؟، حيث كان يكتفي بقرص او قرصين من الشعير فقط في اليوم الواحد كما مر في اول الحديث من قوله:


[ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعامه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد]
وهو ما اشارت اليه مصادر الحديث والسيرة المختلفة ، ومن المعلوم ان السمنة وهي اقل من البطنة ولا تقايس بها، لا تكون الا من الزيادة في الطعام عما يحتاجه الجسم فيخزن الباقي علاوة على ان الحركة تحرق حتى المخزون القليل، ونحن نعلم ان الامام قد قضـى عمره في الجهاد والحركة فمن المحال ان تكن لديه بطنة، ولذا فان بعض الاحاديث التي يتفوه بها بعض الخطباء من انها ملئت علما انما تكشف عن جهلهم وسخافة عقولهم فان العلم بالعقل لا بالبطن، وكذلك فان الصور التي تمثل الامام سمينا اوبطينا وتوضع في المجالس والمنازل هي صور غير حقيقية ومكذوبة تُسـيء الى صورة الامام الحقيقية وتدعم الخط الاموي المنحرف عن الاسلام وينبغي لمحبيه وشيعته البراءة منها وتفادي وضعها في بيوتهم.


الامام القدوة الحلقة الرابعة                                                                   

عن امير المؤمنين ع  في تتمة حديثه الذي مطلعه:
[أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ ويَسْتَضـِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ

قال متمما للحديث ومجيبا عن شبهة من ان قلة الغذاء تحول دون استطاعة الامام للجهاد لضعف بدنه فيقول:
 

[ألا وإن الشجرة البرية أصلب عودا
(اي الشجرة التي تنبت في البَر الذي لا ماء فيه الا القليل من المطر تكون غصونها صلبة، وجذورها اعمق، ومقاومتها للامراض اكبر، وعناصر مداومتها للحياة والبقاء والتحمل للظروف الصعبة اقوى رغم عدم وجود الماء الا قليلا مما يصيبها عبر المطر).
 

[والروائع الخضـرة أرق جلودا
(كما ان الروائع الخضـرة وهي الاعشاب الناعمة التي تنمو بين الازهار والتي يكون عودها اخضـرا وملمسها ناعما، فانها تكون ضعيفة رغم كثرة سقيها بالماء فالعبرة ليس بكثرة الماء او الغذاء).
 

[والنباتات العِذْية اقوى وقودا
(وهي النباتات التي تنبت عذيا اي انها تعتمد على ماء المطر فقط كالاشواك فانها تكون جافة فتكون نارها قوية وخمودها ابطا).
ثم يبين ع ان منهجه وحاله هذا هو منهج رسول الله فيقول:
 

[وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو
(الصنوان هما النخلتان اللتان يجمعهما أصل واحد فهو من الرسول كأصل واحد يشتركان في الخصائص ولذا فان حاله كحال رسول الله، حيث كان ص شديد البأس خشن المعيشة).
 

والذراع من العضد
(اي ان قربه من الرسول واعتماد الرسول عليه كحال العضد في الذراع كناية عن شدة الامتزاج والقرب بينهما في الحال والعمل).
ثم يوضح ع مقدار قوته المادية والمعنوية وصلابته في اقامة الحق فيقول:
 

[والله لو تظاهرت العرب (اي اجتمعت كلها) على قتالي لما وليت عنها
 

ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها (اي لبادرت في محاربتها لازالة الانحراف،
 

وسأجهد (اي سابذل جهدي)

في أن أطهر الارض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس
(والمركوس من الركس وهو الشـيء المقلوب اي قلب آخره على أوله، والمراد مقلوب الفكر وهو معاوية بمعنى انه اذا امكنته الفرصة فلن يترك معاوية وسيتصدى لازالة كل انحرافاته عن الدين).


حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد]
(المدرة هي قطعة الطين اليابس، وحب الحصيد هو حب النبات المحصود كالقمح ونحوه، والمراد من اخراج قطعة الطين اليابس من الحصاد هو تنظيف الحصاد وتخليصه من الشوائب حتى ينقى الدين ويطهر المجتمع من المنافقين والمخالفين) وفي ذلك درس وعبرة لكل المؤمنين والرسالين من الثبات والاستمرار في الجهاد والعمل مهما كانت الظروف صعبة او معاكسة.


الامام القدوة الحلقة الخامسة                                                                  

 

عن امير المؤمنين ع  في تتمة حديثه الذي مطلعه:
[أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ ويَسْتَضـِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ]

قال في تتمة الحديث عن رفضه للدنيا ومغرياتها:
[إليك عني يا دنيا  (اي اذهبي عني يا دنيا)
فحبلك على غاربك]
(اي القيت حبلك على غاربك، والغارب هو الكاهل وهو ما بين السنام والعنق، بمعنى اني قد سرحتك يا دنيا كما تسرّح الدابة لتسير حيث تشاء وهو من روائع التشبيه لتسـريح الدنيا لتذهب عنه حيث تشاء).
 

قد انسللت من مخالبك]
(اي لم اعلق بشـيء من شهواتك)،
 

[وأفلت من حبائلك]
(اي ان شباكك ومصائدك للناس لم تستطع ان توقع بي لحذري منك (والحبائل جمع حبالة وهي شبكة الصياد)
 

[واجتنبت الذهاب في مداحضك]
(اي تجنبت الوقوع في مساقطك او مزالقك)
فمن يسير مع الدنيا تاخذه في اهوائها وغمراتها حتى تورده جهنم).
 

[أين القرون الذين غررتهم بمداعبك]
(مداعب جمع مدعبة من الدعابة وهي المزاح بمعنى اين الذين كنت تخدعيهم بالاعيبك؟).
 

[أين الامم الذين فتنتهم بزخارفك؟ هاهم رهائن القبور ومضامين اللحود]
(اي ان اقصى ما وصلوا اليه من الامال والاماني فيك ان ضمتهم القبور وما اشتملت عليه حفر الارض التي اودعوا فيها).
 

[والله لو كنت شخصا مرئيا وقالبا حسيا لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالاماني وأمم ألقيتهم في المهاوي (جمع مهوى وهو مكان السقوط او الهاوية التي تهوي بهم الى سوء العاقبة)،وملوك أسلمتهم إلى التلف وأوردتهم موارد البلاء إذ لا وِرد ولا صَدر]
(الورد بكسـر الواو اي محل ورود الماء، والصدر بالتحريك هو الصدور عن الماء بعد الشـرب والمراد انك خدعتهم فلم يحصلوا منك الا على السراب).
 

[هيهات من وطئ دحضَك زَلَق]
(الدحض هو المكان الزلق الذي لا تثبت عليه الارجل وهو تشبيه لمن يسير مع الدنيا ومطامعها فانه لابد وان يزلق وينحرف عن طريق الله).
 

[ومن ركب لججك غرق]
(فمن يركب امواج الدنيا التي لا تستقر على حال يغرق وهو تشبيه للدنيا في تغير احوالها فلابد وان يغرق فيها،
 

[ومن ازورّ عن حبائلك وفّق]
(ازور اي مال وتنكب والمراد انه من انحرف عن شباك الدنيا ومغرياتها فقد امنها وسلم منها).
 

[والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مُناخه]
(اي ان ضاق عليه المقام فيك لانه سينتقل الى ربه على كل، المناخ من المنخ واصله مبرك الابل من اناخ يُنيخ والمراد مقامه).
 

[والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه]
(اي ان الدنيا بكل ما فيها من هم او غم او سرور وحزن او الم وعناء او راحة واستقرار هي عند من عرف حقيقتها انها كيوم واحد وقد حان وقت زواله وذهاب الانسان منها الى ربه حيث سيجد الامن والراحة والسـرور وما وعده ربه به حقا وصدقا).

الامام القدوة الحلقة السادسة                                                              

 

عن امير المؤمنين ع  في تتمة حديثه الذي مطلعه:
[أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقتَدِي بِهِ ويَسْتَضـِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ]
 

قال مخاطبا للدنيا ومستهينا بزينتها وزبرجها:
[اعزبي عني (اي ابعدي عني يا دنيا، فوالله لا أذل لك فتستذليني]
(فالطمع يدخل الانسان في وثاق الذل ومن يطمع في شيء يكون ذليلا لمن يطلب منه حاجته ويرضخ لامره)،
 

[ولا أسلس لك فتقوديني]
(اي لا انقاد لك فمن يعطي قيادته للهوى وحب الدنيا وزينتها والثقة بامالها واحلامها فانها تقوده الى الهلاك والدمار)
 

[وأيم الله، يمينا أستثني فيها بمشيئة الله: لأرُوضن نفـسي رياضة تهش معها إلى القرص اذا قدرت عليه مطعوما]
(اي لاروض نفسـي رياضة بمنعها من الحصول على ما تحب من اللذائذ حتى انها لتفرح بقرص الشعير اذا وجدته في ان يكون كل طعامها لشدة حرمانها منه).
 

[وتقنع بالملح مأدوما]
(اي تكتفي بالملح كاضافة للطعام يملا جوفها ويسكت رغبتها في تنوع الطعام).
 

[ولأدعنّ مُقلتي كعين ماء نضب معينها]
(أي لأتركنّ مقلتي أو عيني تفيض من البكاء من خشية الله وخوفه كعين ماء نضب معينها اي غار وانتهى ماؤها الجاري فجفت).
 

[مستفرغة دموعها]
(أي سأبكي حتى لا يبقى دمع في العين طمعا في رحمة الله وعفوه والتماسا لمغفرته ورضاه)،
 

[أتمتليء السائمة من رعيها فتبرك؟]
(السائمة هي الاغنام التي يسوقها الراعي لتاكل كما تشاء حتى تمتلا كروشها فتبرك في محلها بعد ذلك حيث يستنكرامير المؤمنين ان يكون حاله مثل حال هذه الدواب لا يفكر الا في نفسه وملأ معدته).
 

[وتشبع الربيضة من عشبها فتربض؟]
(الربيضة هي الغنم مع راعيها إذا كانت في مرابضها او اماكنها المهيأة لها حيث تاكل وتنام وتقضـي حاجاتها في نفس المكان فلا يكوم فكرها الا بما يملا كروشها فقط)،
 

[ويأكل علي من زاده فيهجع؟]
(بمعنى ايكون علي بمنزلة هذه البهائم لا يهمه غير اكله فيهجع او يسكن كما تسكن الحيوانات بعد امتلاء كروشها بطعامها فلا يهمه شيء من امور المسلمين وما يجري عليهم من احداث ومكاره؟)
 

[قرت إذا عينه!]
(وهو دعائه على نفسه بالموت اذا اصبح كذلك، والمراد ببرود العين أي جمودها بمعنى موت البدن وسلب الروح منه)
 

[إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية]
(اي اذا اصبح بعد سنين الجهاد والعمل في سبيل الله ممن يقتدي بهذه البهائم التي لا يهمها غير طعامها، والبهائم الهاملة هي المتروكة ترعى نهارا بلا راع وحدها لتعود الى مرابضها بعد ذلك، والبهائم السائمة التي يسومها او يقودها راعيها في الرعي والبحث عن الطعام فتسير بدون ارادة منها، وهيهات لعلي وهو حجة الله ونوره وامينه على شريعته ان يكون كذلك)

الامام القدوة الحلقة السابعة                                                                  

 

عن امير المؤمنين ع  في تتمة حديثه الذي مطلعه:
[أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمُومٍ إِمَاماً يَقتَدِي بِهِ ويَسْتَضـِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ]

 قال في ختام الحديث:
[طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها]
اي هنيئا لنفس استجابت لربها وقامت باداء فرائضها التي اوجبها الله على عباده والزمهم بها في الدنيا لتكون لهم سببا في النجاة يوم القيامة .
 

[وعركت بجنبها بؤسها]
اي صبرت على الضـرر والاذى وتحمل الصعاب في الدنيا فان الدنيا ما خلقت الّا لأجل الاختبار للانسان كما اوضح الله ذلك في كتابه بقوله: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعزِيزُ الْغَفُورُ}
فالدنيا دار ابتلاء واختبار وليس دار جزاء ومثوبة، فكل مسرات الدنيا لا تعدل لحظة من لحظات نعيم الجنة لا نوعا ولا كما، فما يمر به الانسان المؤمن من المعاناة في الدنيا انما هو جزء من رصيده الاخروي ، ومعنى عركه بالجنب اي صبر عليه كأنه ذا حركة، فيسحقه بجنبه او بدنه بمعنى يواجه المعاناة بصبر وتحمل التماسا لفضل الله ورحمته.
 

[وهجرت في الليل غمضها]
اي هجرت تلك النفوس المؤمنة نومها ليلا لسعيها للتقرب لله، فنهضت لعبادته والتهجد بذكره ومناجاته، فان من يعلم قصر الدنيا وسرعة انقضائها وانطوائها فانه يبادر للاستفادة من العمر الذي يقضيه فيها، فالدنيا بكل ما فيها هي كالحلم الذي سرعان ما ينقضي، فاذا كان العمر في حياة البرزخ مع طول المدة التي يقضيها الانسان فيه حتى قيام الساعة، هو يوم او اقل من يوم في تصوره فكيف يكون مدة عمر الدنيا اذن ؟، وهو ما تضمنته الاية الكريمة: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ؟ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ، قَالَ إِن لَّبثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ؟ فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}
 

[حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها]
فاذا غلب النعاس والنوم على تلك النفوس الزكية بعد السهر في العبادة والذكر استلقت على الارض لزهدها في الدنيا فاتخذت منها فراشا وجعلت كفها كالوسادة ونامت عليها شاكرة لربها على توفيقه لعبادته وعدم غفلتها مع الغافلين.
 

[في معشـر أسهر عيونهم خوف معادهم وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم]
اي نامت مع جماعة المتقين الذين تذكروا الموقف في القيامة وقيامهم بين يدي الله للحساب الذي لا يخفى عليه شيء وهو بكل شيء محيط فامتلك الخوف نفوسهم رهبة من تقصيرهم في القيام بحق الله والالتزام بما يريده منهم فهجرت ابدانهم محل نومها للقيام بين يدي الله وتجافت جنوبهم اي ابتعدت ابدانهم عن مضاجعها او محل نومها لانشغالها بعبادة الله وذكره .
 

[وهمهمت بذكر ربهم شفاههم]
الهمهمة هو الصوت الذي يردد في الصدر والمراد من العبارة هو ان ذكر الله هيمن على تلك القلوب المؤمنة وغلب ذكره على السنتهم وشفاهم فشرعوا في الذكر والتمجيد والاستغفار ليكون وسيلة الى التوبة والعفو)
 

[وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم]
( فزالت وتلاشت بهذا الاستغفار القلبي واللساني ذنوبهم وانقشعت ظلماتها عن القلب كما ينقشع الغيم عن السماء واستشعروا حلاوة الايمان ولذة القرب من الرحمن الرحيم).
 

[﴿أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ﴾]
فهذه هي بعض صفات حزب الله من كثرة الذكر والاستغفار وشدة الخشوع والتقوى ومواصلة العمل الصالح ليكون زادا لاخرة او كما قال تعالى { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ}

                                                                                           اعلى الصفحة

                                                                        رجوع الى صفحة (انما يتذكر اولو الالباب)

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com