الكلام المفيد  10

 

في خاتمة الكلام حول الحديث المفيد وخصائصه ومميزاته فقد تطرقت بعض الروايات الى افضلية الكلام الهادف على السكوت وخاصة في الموارد التي فيها طاعة لله ونصرة لدينه كما في قوله تعالى:

[وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ]  .

[ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ].

ومثل ذلك تطرقت كثير من الايات والروايات التي اوضحت تقدم القول النافع على غيره ومنها الروايات التالية مع ملاحظة قصر الايميل ومحدوديته.

عن رسول اللهﷺقال:

[والذي نفسي بيده، ما أنفق الناس من نفقة أحب من قول الخير].

فان افضل رصيد للانسان هو ما يكسبه في دنياه من ذخيرة القول الطيب والعمل الصالح الذي يكون زادا لاخرته وسببا لنيل المراتب العليا في جنان الخلد والنعيم، فالكلمة الطيبة (وهي بعض من الكلام المفيد) وصفها تعالى بانها كالشجرة المثمرة التي تؤتي ثمرها في كل الاوقات كما في قوله تعالى [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] فكم من هداية الى الله وكم من خير عميم وكم من صلاح تحقق بالكلمة الطيبة والنصيحة الصادقة، وكم من اذى وسوء ومكروه اوجدته الكلمة السيئة او الحديث السيء والذي وصفه الله بالكلمة الخبيثة كما في قوله تعالى [وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ] وهو ما يدعو الانسان الى اختيار احسن الكلام وترك لغو القول وزخرفه لينال به ثواب الدنيا العاجل وحصاده الاجل في دار القرار.

عن امير المؤمنين ع قال:

[قولوا الخير تعرفوا به، واعملوا الخير تكونوا من أهله].

والمراد به الثبات والدوام والاستقامة على القول الصالح والعمل الصالح واتخاذ ذلك منهج في الحياة فهو بعض من توفيق الله وفضله على العباد[ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ]

فان اعتياد الانسان على الخير والهدى في حديثه ومسلكه ينقله الى مراتب العناية الالهية ويبعده عن موارد الاثم واللغو وما يضيع به الوقت والعمر.

عن رسول اللهﷺقال:

[السكوت خير من إملاء الشر، وإملاء الخير خير من السكوت]

فحينما تكون المفاضلة بين الاثار المترتبة على الحديث يكون السكوت خير في الموارد التي فيها الضرر والاذى وبالعكس يكون الكلام مستحبا ومندوبا اليه في موارد الخير والهدى والتسديد والتقويم وما يقرب الى الله كما في قوله تعالى:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا] فالكلام النافع في موارد الخير والرشاد هو باب من ابواب الجنة.

عن رسول اللهﷺقال:

[ إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة ].

وفي ذلك عبرة بما ينبغي ان يكون عليه المؤمن في تعامله مع شؤون الحياة فهو يعتبر في سكوته وتأمله بما يكون ذكرا لعظمة الله وتدبيره ومصيره الذي ينتهي اليه، كما هو حكيم في كلامه وحديثه بما يرجو به رحمة الله وفضله وحسن المنقلب اليه فلا يذهب وقته هدرا ولا يكون كلامه هذرا.

عن الامام الصادق ع قال:

[معاشر الشيعة، كونوا لنا زينا ولا تكونوا علينا شينا، قولوا للناس حسنا، واحفظوا ألسنتكم، وكفوها عن الفضول، وقبح القول].

وهو من افضل الوصايا للمؤمنين في اختيار الاحاديث النافعة والمفيدة والامتناع عن الاحاديث التي لا جدوى منها وتسيء الى المتحدث بها والى ما يعتقد به من القيم والمبادئ، ومن هنا يوصي الامام الصادق شيعته بان يكون حديثهم وسلوكهم وساما لائمتهم وزينة لهم بثناء الناس على ائمتهم في حسن تربيتهم وتاديبهم لشيعتهم فكريا واخلاقيا وايمانيا ولا يكونوا سببا للذم والعيب والانتقاص من ائمتهم بسوء تربيتهم لشيعتهم من خلال ما يظهر من السلوك السيء لبعض المنتسبين للتشيع حيث يقول في حديث اخر متمم ما نصه: فانكم نسبتم لنا، وفي ذلك درس وعبرة لاهل الدين عموما وللموالين لاهل البيت خصوصا.

ونختم بحديث الامام زين العابدين ع عن الاثار الدنيوية العاجلة للقول الحسن او الكلام المفيد مع ان الاثار الشاملة الدنيوية والاخروية هي اعظم من ذلك ولكن من اجل تشويق العباد للمنفعة العاجلة فلكل جزائه المتناسب مع ايمانه وعقله وطاعته لله وانصياعه لاوامره ونواهيه.

عن الإمام زين العابدين ع قال:

[ القول الحسن يثري المال، وينمي الرزق، وينسئ في الأجل، ويحبب إلى الأهل، ويدخل الجنة].

ونسالكم الدعاء

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com