آفة النفاق   9

 

في تتمة الحديث عن المنافقين والتحذير من اعمالهم المتلبسة بلباس الدين وخاصة عند ارتباطها بالبعد الاجتماعي والسياسي فقد تصدى امير المؤمنين ع لكشف طبيعة اعمالهم وافكارهم فقال فيهم:
 

[ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بتَقْوَى اللهِ، وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ المُضِلُّونَ، وَالزَّالُّونَ المُزِلُّونَ ]
 

الزالون من الزللّ او الخطأ، والمزلّون من ألإزلال للاخرين او ايقاعهم في الخطأ، فان هدف المنافقين هو حرف المؤمنين عن دينهم، ولكنهم لا يقولون ذلك صراحة كالكفار، وانما يسعون لتحقيق هذا الهدف بأساليب عدة يشرحها الامام ويصفها بالاوصاف التالية:
 

[ يَتَلَوَّنُونَ أَلوَاناً ]
 

اي انهم يلاقون الناس بوجه ولسان يختلف من شخص الى شخص ومن وقت لأخر، فهم يتغيرون في مواقفهم واعمالهم واقوالهم بحسب عقلية ودين المقابل، فتارة هم يدافعون عن الدين والمذهب، واخرى يدافعون عن الفقراء والمساكين، وثالثة ينتصرون للاعراف والقيم، ورابعة ينتقدون المسئولين لغرض تصحيح الاوضاع القائمة، وخامسة يشكّكون بقدرة المتصدّين لاقامة الأمن وحفظ النظام، وهكذا يتلونون في اساليبهم وعرضهم لافكارهم ومواقفهم وحججهم وادعاءاتهم التي ظاهرها الاصلاح والخير وباطنها فساد النية والفكر، فهم يغيّرون من اساليبهم ومواقفهم من وقت لاخر بحسب الاحداث والمستجدات الدينية او الاجتماعية او السياسية مما ينبغي الالتفات والانتباه لمقاصدهم الخبيثة.
 

[ وَيَفتَنُّونَ اِفْتِنَاناً ]
 

أى انهم يتشعّبون بأنحاء مختلفة من القول والعمل ليأثّروا في المقابل ويزعزعوه عن قناعاته ومواقفه، فيأخذون في فنون القول واساليبه الملتوية ولا يذهبون مذهبا واحدا في الحديث، فتارة هم مشفقون واخرى منتقدون، وثالثة لائمون، ورابعة مصلحون، وخامسة متسائلون وهكذا هم متلونون وفنانون في اساليبهم، وكذلك في المواقف العملية فهم يتفنون فنونا في الإساءة الى القيادة والامة في المواقف الاعلامية والعملية.
 

[ وَيَعمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ ].
 

العماد ما يقام ويستند عليه البناء، بمعنى انهم إذا شعروا ان المقابل لا يصدقهم او يتشكك في اقوالهم فانهم يلجئون الى اسالب جديدة لاقناع المقابل بما يقولون وذلك عبر إقامة أعمدة جديدة من الادعاءات الكاذبة والخادعة لتضليل الاخرين واقناعهم بما يقولون ويتحدثون به لكي يوافقوهم في الفكر والسلوك المنحرف.
 

[ وَيَرصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ ].
 

فهم في حالة رصد للساحة السياسية والاجتماعية ولعناصرها الفاعلة فيه اعلاميا وامنيا وعمليا وسلوكيا فيراقبون اعمال المخلصين واقوالهم وتصرفاتهم بكل وسيلة ممكنة لغرض تشويه سمعتهم او لشراء ذمم الضعفاء منهم ليميلوا بهم عن الاستقامة في الدين والانصراف الى الدنيا وزينتها وشهواتها).
 

[ قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ ].
 

اي ان قلوب المنافقين مريضة أو فاسدة من الداء الذي أصابها والموجب لمرضها من النفاق والحسد، والشّك والارتياب، والبغض والضغينة وتقديم الدنيا على الاخرة، وقد وصفهم الله سبحانه بهذا الوصف حيث قال: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾ حيث اعتبر سبحانه ان الشك في الدّين مرضا لأن المرض هو الخروج عن حدّ الاعتدال، فالبدن ما لم تصبه آفة يكون صحيحا سويّا، وكذلك القلب ما لم تصبه آفة من الشكّ والريب فانه يكون صحيحا سالما يقبل الهدايات الربانية، ولكن المنافقين قد مرضت قلوبهم وغلب عليها حب الدنيا فحديثهم ظاهره الدواء والعلاج للامراض السائدة في المجتمع الا ان فعلهم خلاف ذلك وهي طبيعة المنافقين الذين اعمى الله بصيرتهم فصدهم عن الهدى والرشاد فهم في الظلمات يعمهون .
 

[ وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ ]
 

الصفاح هي جمع صفحة والمراد به ظاهر وجه الانسان بمعنى ان ظاهر وجوههم يبدو عليها النقاء والصفاء عند اللقاء والحديث مع المؤمنين حيث يبدو عليهم البُشر والبشاشة، والاخوة والمودة والنصح والاخلاص بخلاف ما في باطن نفوسهم من الشرّ والفساد والبغض والحقد على المؤمنين والتمني لهم بالاذى والسوء او كما قال الله عنهم في كتابه الكريم:

(مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.)
 

[ يَمْشُونَ الخَفَاءَ وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ ]
 

فالمنافقون في سعيهم واعمالهم يمشون مشي المتستر والمتخفي لئلا تنكشف حقيقتهم وسوء نواياهم واهدافهم تجاه اهل الايمان فهم يدبون كدبيب النمل بهدوء وسكون، يقال دبّ النّمل دبيبا اي مشى مشيا رويدا او على مهل بمعنى ان المنافقين يتحركون بهدوء وخفاء لبث الضراء والفتنة بين الناس ليؤثروا على افكارهم ويتغلغلوا في نفوسهم كما يتغلغل المرض في الجسم أو النقص في الاموال، فهم يعملون في الخفاء والسر وتحت الواجهات الانسانية او الحيادية لكي لا ينتبه اليهم احد كمن يمشي في ظل الشجر الملتف ليواري شخصه من أعين الناس ولكنهم في خلال ذلك التمويه يبثون الشكوك والافكار الضالة بين الناس لتحقيق اهدافهم ومقاصدهم السيئة.
 

[ وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ ]
 

اي انهم يقولون من الأقوال الحسنة والمواعظ البالغة ما هو شفاء للصدور كالناسكين والزّاهدين، ولكنهم يفعلون فعل الفاسقين الفاجرين، فهم يتّصفون ظاهرا بصفات المؤمنين والمخلصين، ويتكلّمون بمثل كلامهم إلّا أن أفعالهم خلاف أقوالهم، وباطنهم مناف لظاهرهم كما قال تعالى في وصفهم :
﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم واللهُ أعلم بما يكتمون﴾

وقال أيضا فيهم :

﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا انا معكم انّما نحن مستهزئون﴾

كما قال فيهم كذلك:

﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضّوا عليكم الأَنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور﴾
فهم يشخّصون المشاكل الفردية والاجتماعية ويحللون اسبابها ويصفون نتائجها واثارها وطرق علاجها الا ان اعمالهم خلاف اقوالهم وخلاف تشخيصهم الحقيقي للامور (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ )،
 

[ وَفِعْلُهُمُ اَلدَّاءُ العَيَاءُ ]
 

اي ان فعل المنافقين وتصرفاتهم في المجتمع هي كالداء العضال الذي يصعب علاجه، فهم يقولون غير ما يفعلون، ويظهرون غير ما يبطنون من النوايا السيئة والحاق الاذى بالمخلصين فهم يمثلون الداء الذي أعيى الاطباء شفاؤه، لان قلوبهم اصبحت كالحجارة الصماء التي لا تتأثر بكلام الله ولا كلام انبيائه وحججه او كما وصفهم الله بقوله:

[ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ]

للبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com