جوهرة العبودية لله تعالى  1

عن الامام الصادق ع قال :


[العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية اصيب في العبودية]


مقدمة في شرح الحديث


قال تعالى في كتابه الكريم:﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾
   اي ان الانسان هو مسؤول عن نفسه من بعد ان اوضح الله له السبيـل في اتخاذ احد الطريقين في السعادة او الشقاء ، وبتعبير اخر ان تكامل الانسان يساوي حريته في اتخاذ القرار لنفسه، وهو ما يمثل الفرق بين النبات والحيوان والانسان، فالنبات يتحرك بحركات محدودة مجبول عليها، اما الحيوان فهو يتحرك بارادته حركة اوسع من النبات الا انها تعتمد على الخصوصية التي جعلها الله فيه وهي الغريزة فقط كغريزة الطعام للحيوانات المفترسة او جمع الغذاء للنمل او الدفاع عن الذات او تربية المولود وحمايته لأمد معين او غير ذلك من الغرائز التي هو مفطور عليها ولا يستطيع تركها، اما الانسان فقد جعل الله فيه الغرائز الا انها ليست هي القوة القهرية الغالبة عليه بل انها تخضع لارادته او عقله، اي ان الانسان يستطيع مخالفة الغريزة بالاعتماد على العقل، بخلاف الحيوان الذي لا يستطيع فعل شيء من غير غريزته التي اودعها الله فيه.


    ومن هنا كانت قيمة الانسان وقدرته الكبيرة بعدم ارتباطه بمحرك واحد فقط كالغريزة، حيث يمكنه الاستعانة بعقله لتحقيق اهدافه الممكنة له، حتى يمكن اعتباره انه قد شارك ربه في صنع الارادة النسبية له وبالحدود التي قدرها الله له ومكّنه منها، وضمن الاطار الالهي العام الذي وضعه الله فيه والمتناسب مع مقدار انصياعه لربه وطاعته له، وهو المقصود بالحديث المروي عن الإمام الصادق ع بقوله:
 

[العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية اصيب في العبودية]


      اي ان المصداق الصغير للقدرة الالهية العظيمة التي لا يمكن ادراك سعتها وعظمتها انما تتمثل في العبودية لله والانصياع لقوانينه وارادته والتي تجعل الانسان يستطيع تحقيق ما يريده من الكمالات والقدرات والمعاجز، فالعبودية في حقيقتها جوهرة تتضمن في داخلها معاني الربوبية النسبية او القدرة على الخلق والابداع، اما حقيقة القدرة الالهية العظيمة فلا يبلغها الانسان لانه مخلوق لله، وان عقله وقابلياته محددة بالقدرات والحدود التي وضعه الله فيها ولا يمكنه ان يتجاوزها لما هو ابعد منها
فما فقد في العبودية من القدرات والامكانيات انما هي دلالة على عظمة الربوبية الخالقة والقادرة والتي يجد الانسان معالمها في الايات التالية التي تستحق التأمل :
[إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ].
[إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ].
[وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ].
[واللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ].
[وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ].
[وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ].
[وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ].
[واللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ].
[وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ].
[وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ].
[يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ].
[وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ].
[أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ].
[للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ].


وما شابه من الايات الاخرى التي تتضمن معاني الربوبية التي لا يرتقي اليها عقل الانسان بحكم قيوده ومحدوديته.
اما ما خفي من عظمة الربوبية ومعانيها السامية فان الانسان يجدها في العبودية الصادقة لله بما يكشفه الله لقلبه وعقله، من المفاهيم والقيم والدلالات على عظمة الله فيتوضح له ما خفي عن غيره، فان ايات الله هي واحدة للناس جميعا ولكنها تحتاج الى القلوب الصافية والخالية من الحجب لتفهم المعاني التي خلفها.
روي في حديث قدسي أن الله تعالى يقول في بعض كتبه لانبيائه:
[يابن آدم ! أنا حي لا أموت، أطعني فيما أمرتك حتى أجعلك حيا لا تموت (اشارة للحياة الخالدة في الاخرة في نعيم الجنان والتي لاموت فيها)، يابن آدم، أنا أقول للشيء كن، فيكون، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون]
وهو ما فعله ٠مع انبيائه ورسله وحججه من المعاجز التي اعطاهم القدرة على فعلها في الدنيا كما بينها في كتابه الكريم لتكون عبرة للناس وما خفي من العطاء في الاخرة هو اعظم واكبر كما سياتي تفصيل ذلك في الايميلات القادمة ان شاء الله.


وللبحث تتمة ... اضغط هنا

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com